الجصاص
33
أحكام القرآن
يدل على أن فرض الحج قد لزمه في ماله ، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم إياها بفعل الحج الذي أخبرت أنه قد لزمه يدل على لزومه أيضا . وقد اختلف في حج الفقير ، فقال أصحابنا والشافعي : " لا حج عليه وإن حج أجزأه من حجة الاسلام " . وحكي عن مالك : " أن عليه الحج إذا أمكنه المشي " . وروي عن ابن الزبير والحسن : " أن الاستطاعة ما تبلغه كائنا ما كان " . وقول النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الاستطاعة الزاد والراحلة " يدل على أن لا حج عليه ، فإن هو وصل إلى البيت مشيا فقد صار بحصوله هناك مستطيعا بمنزلة أهل مكة ، لأنه معلوم أن شرط الزاد والراحلة إنما هو لمن بعد من مكة ، فإذا حصل هناك فقد استغنى عن الزاد والراحلة للوصول إليه ، فيلزمه الحج حينئذ ، فإذا فعله كان فاعلا فرضا . واختلف في العبد إذا حج هل يجزيه من حجة الاسلام ، فقال أصحابنا : " لا يجزيه " . وقال الشافعي : " يجزيه " . والدليل على صحة قولنا ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال : حدثنا مسلم بن إبراهيم قال : حدثنا هلال بن عبد الله مولى ربيعة بن سليم قال : حدثنا أبو إسحاق عن الحارث عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ثم لم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا ، وذلك أن الله تعالى يقول : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ) ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن شرط لزوم الحج ملك الزاد والراحلة ، والعبد لا يملك شيئا فليس هو إذا من أهل الخطاب بالحج . وسائر الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم في الاستطاعة أنها الزاد والراحلة هي على ملكهما على ما بين في حديث علي رضي الله عنه . وأيضا فمعلوم من مراد النبي صلى الله عليه وسلم في شرطه الزاد والراحلة أن يكون ملكا للمستطيع ، وأنه لم يرد به زادا وراحلة في ملك غيره ، وإذا كان العبد لا يملك بحال لم يكن من أهل الخطاب بالحج ، فلم يجزه حجه . فإن قيل : ليس الفقير من أهل الخطاب بالحج لعدم ملك الزاد والراحلة ، ولو حج جاز حجه ، كذلك العبد . قيل له : إن الفقير من أهل الخطاب ، لأنه ممن يملك ، والعبد ممن لا يملك ، وإنما سقط الفرض عن الفقير لأنه غير واجد لا لأنه ليس ممن يملك ، فإذا وصل إلى مكة فقد استغنى عن الزاد والراحلة وصار بمنزلة سائر الواجدين الواصلين إليها بالزاد والراحلة ، والعبد إنما سقط عنه الخطاب به لا لأنه لا يجد لكن لأنه لا يملك ، وإن ملك فلم يدخل في خطاب الحج فلذلك لم يجزه ، وصار من هذا الوجه بمنزلة الصغير الذي لم يخاطب بالحج لا لأنه لا يجد ولكنه ليس من أهل الخطاب بالحج ، لأن من شرط الخطاب به أن يكون ممن يملك كما أن من شرطه أن يكون ممن يصح خطابه